حبيب الله الهاشمي الخوئي
243
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي تردّ الطعام إلى الرحى ، هذا . مضافا إلى ما فيه من فائدة الذّوق وقوّة النطق والحكم الَّتي لا نطيل بذكرها . ثمّ لما كان الطعام ربما يكون يابسا فلا يمكن ابتلاعه إلَّا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة ، خلق اللَّه سبحانه تحت اللسان عينا يفيض منها اللعاب ، وينصبّ بقدر الحاجة حتّى يتعجن به الطعام . ولما لم يمكن ايصاله إلى المعدة بدفعه باليد ولم تكن المعدة ممتدّة حتّى تجذبه من الفم إلى نفسها ، هيّأ اللَّه سبحانه المرى والحنجرة وجعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ثمّ تنطبق وتنضغط حتّى ينقلب الطعام بضغطه فيهوى إلى المعدة في دهليز المرى . فإذا ورد الطعام على المعدة وهو خبز وفاكهة مقطعة فلا يصلح أن يصير لحما وعظما ودما على هذه الهيئة بل لا بدّ وأن يطبخ طبخا تامّا حتّى تتشابه أجزاؤه ، فخلق اللَّه تعالى المعدة على هيئة قدر فيقع فيها الطعام وتحتوى عليه وتغلق عليه الأبواب ، فلا يزال يلبث فيها إلى أن يتمّ الهضم وينضج بالحرارة الَّتي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة ، إذ من جانبها الأيمن الكبد ، ومن الأيسر الطحال ، ومن قدّام الترائب ، ومن خلف لحم الصّلب ، فتتعدّى الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء الَّتي بها ينطبخ الطعام ويصير مائعا متشابها يصلح للنفوذ في تجاويف العروق ، وعند ذلك يشبه ماء الشعير في تشابه أجزائه ورقّته ، وهو بعد لا يصلح للتغذية ، فخلق اللَّه تعالى بينها وبين الكبد مجارى من العروق وجعل لها فوهات كثيرة حتّى ينصب الطعام فيها فينتهى إلى الكبد . والكبد معجون من طينة الدّم حتّى كأنّه دم ، وفيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد ، فيصبّ الطعام الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها حتّى تستولي عليه قوّة الكبد ، فتصبغه بلون الدّم فيستقرّ فيها ريثما يحصل له نضج آخر ويحصل له هيئة الدّم الصافي الصّالح لغذاء الأعضاء إلَّا أنّ حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدّم .